الشيخ بشير النجفي

40

بحوث فقهية معاصرة

العوضين ( رأسا برأس ، الحنطة بالشعير ، البر بالسويق ) ، وهذا يعني ورودها في المعاملات التي تتقوم بمفهوم المعاوضة في الأعيان لا المعاملات التي يكون التعاوض فيها شرطا أو لاحقا للعقد . والذي ينظر في المعاملات الجارية في العروض لا يرى غير البيع وما يلحق به من الفسخ والإقالة تعتبر فيه المعاوضة مقومة لذات المعاملة وأما الصلح والهبة المعوضة فلم تؤخذ فيهما المعاوضة ركنا مقوما لذات المعاملة . فمعنى المعاوضة - كما أشار إليه العلامة قدّس سرّه في بعض كتبه والشيخ الأعظم قدّس سرّه في مكاسبه واخترناه في بابه - أن إنشاء كل من الإيجاب والقبول يقتضي حلول كل من العوضين محل الآخر في الملكية ، وهذا يعني أن البائع حين ينشئ البيع في قوله ( بعت ) ينشئ في الحقيقة تمليكه المبيع للمشتري في الوقت الذي ينشئ فيه تملكه للثمن ، وهكذا الأمر بالنسبة للمشتري فإنه بإنشائه القبول ينشئ الملكيتين ، وليس كما قاله البعض من أن إنشاء البائع يعني تمليكه المبيع للمشتري بينما يعني قبول المشتري تمليكه الثمن للبائع بل كل منهما يقصد الملكيتين معا ، ولهذا فمع اختلال شرائط عوضي المعاملة أو بعضها تبطل المعاملة من أساسها لأنهما ركنان فيها . ومثل هذا الارتباط لا يقال في الصلح أو الهبة المعوضة ؛ إذ إن حقيقة الصلح تتقوم برفع المنازعة إما فعلا أو حيث يحتمل وقوعها ، وكون هذا الرفع يقتضي بذل كل من طرفي المعاملة أو غيرهما ما يتحاشى به الوقوع في النزاع إلا أن هذا البذل والمعاوضة فيه لم يقصدا أساسا فيها ، ولهذا قلنا في مباحث الصلح : إنه لا دليل على نفوذ الصلح ابتداء حيث لا تقع منازعة أو ما يكون منشأ لها ، فحين يمر شخص على بائع توفرت في بضاعته شرائط البيع ويملك هو من المال ما تتوفر فيه شرائط الثمن وكانا معا ممن توفرت فيهما شرائط المتعاقدين المتبايعين إلا أنهما يعزبان عن البيع إلى الصلح في المعاملة دون سبب ، فلا دليل على صحة هذه العاملة كصلح .